إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
202
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ ، وَإِقْبَالًا عَلَى مَا يُضَادُّهُ وَيُنَافِيهِ ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَنْهَدِمُ إِلَّا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُنَافِيهِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْقِيرَ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مَظِنَّةٌ لِمَفْسَدَتَيْنِ تَعُودَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْهَدْمِ : إِحْدَاهُمَا : الْتِفَاتُ الْجُهَّالِ وَالْعَامَّةِ إِلَى ذَلِكَ التَّوْقِيرِ ، فَيَعْتَقِدُونَ فِي الْمُبْتَدِعِ أَنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ ، وَأَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِمَّا عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِهِ عَلَى بِدْعَتِهِ دُونَ اتِّبَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى سُنَّتِهِمْ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ إِذَا وُقِّرَ مِنْ أَجْلِ بِدْعَتِهِ صَارَ ذَلِكَ كَالْحَادِي الْمُحَرِّضِ لَهُ عَلَى إِنْشَاءِ الِابْتِدَاعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ( 1 ) فَتَحْيَا الْبِدَعُ ، وَتَمُوتُ السُّنَنُ ، وَهُوَ هَدْمُ الْإِسْلَامِ بِعَيْنِهِ . وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ حَدِيثُ مُعَاذٍ : ( فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ : مَا لَهُمْ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ ؟ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ ، فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ ) ( 2 ) ، فَهُوَ يَقْتَضِي أَنّ السُّنَنَ تَمُوتُ إِذَا أحييت البدع ، وإذا ماتت انْهَدَمَ الْإِسْلَامُ . وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ النَّقْلُ عَنِ السلف الصالح ( 3 ) زِيَادَةً إِلَى صِحَّةِ الِاعْتِبَارِ ، لِأَنَّ الْبَاطِلَ إِذَا عُمِلَ بِهِ لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ كَمَا فِي الْعَكْسِ ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْوَاحِدَ لَا يَشْتَغِلُ ( 4 ) إِلَّا بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ . وَأَيْضًا فَمِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ تَرْكُ الْبِدَعِ . فَمَنْ عَمِلَ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ تَرَكَ تِلْكَ السُّنَّةَ . فَمِمَّا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ ما تقدم ذكره عن حذيقة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ حَجَرَيْنِ فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ ترون ما بين
--> ( 1 ) ساقطة من ( ت ) . ( 2 ) تقدم تخريجه ( ص 53 ) . ( 3 ) ساقطة من ( ط ) . ( 4 ) في ( م ) : " يستغل " ، وفي ( ر ) : " يستقل " .